الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
131
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فضيلة بخلافه ، لأنه علم والعلم فضيلة ، وهذا بخلاف إفراط تلك التي هي الجربزة فإنها رذيلة كما لا يخفى . والحكمة العملية التي جعلت إحدى الفضائل نظير الشجاعة والعفة ، هي نفس الخلق المخصوص المبائن ساير الأخلاق ، وقد علمت أنّ إفراطه كتفريطه رذيلة ، وعلمت أنّ هذه الحكمة التي هي القسيمة للحكمة العملية لا تباين سائر الأخلاق ، بل تجمع معها كما أشرنا إليه ، فظهر الفرق بين البابين . وكيف كان فإذا طهر القلب فله أن يشرع في السلوك لتحصيل المعرفة ، وهو كما قاله بعض الأعاظم سلوكان : سلوك المحبوبية وسلوك المحبّيّة . والأول : هو أن يكون وصول السالك إلى اللَّه تعالى سابقا على سلوكه ، بمعنى أن يكون وصوله إلى اللَّه تعالى بغير سلوك ومجاهدة ورياضة بزهد وتقوى وأمثالها ، واحتياج إلى مرشد ومعلَّم ، بل بمحض العناية الأزلية والهداية الحقيقية الأولية المشار إليهم بقوله تعالى : الذين سبقت لهم منّا الحسني 21 : 101 ( 1 ) . والثاني : هو أن يكون وصول السالك إلى اللَّه تعالى موقوفا على سلوكه إليه ، وقربه منه مشروطا بمجاهدته ورياضته بزهده وتقواه بمرشد وشيخ ومعلَّم المشار إليهم بقوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا 29 : 69 ( 2 ) . فالطائفة الأولى هم المحبوبون من الأنبياء والأولياء من الأئمة عليهم السّلام والتابعين لهم على قدم صدق والإخلاص التام ، فإنهم وصلوا إلى اللَّه تعالى من غير عمل سابق وسبب لاحق ، بل بمحض العناية وكمال المحبة ، قال الرضا عليه السّلام بعد ذكر أوصاف الامام عليه السّلام بطوله : " كل ذلك بلا طلب ولا اكتساب بل تفضّل من المفضّل الوهّاب . " راجع عيون أخبار الرضا والبحار والكافي . وكيف كان هؤلاء هم الأبرار المقربون الذين شربوا من شراب المحبّة والشوق
--> ( 1 ) الأنبياء : 101 . . ( 2 ) العنكبوت : 69 . .